محمد رأفت سعيد
228
تاريخ نزول القرآن الكريم
سورة « القيامة » وهي سورة مكية نزلت بعد سورة القارعة فعن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال : نزلت سورة القيامة ، وفي لفظ سورة « لا أقسم بمكة » « 1 » ، وعن ابن الزبير قال : أنزلت سورة « لا أقسم بمكة » « 2 » . ونزول سورة القيامة بعد سورة القارعة يعالج مجموعة من القضايا منها ما يتعلق بأخطرها وهي قضية البعث وموقف الإنسان منه بين مؤمن وكافر ، وكيف يقدّم الإقناع العقلي والإشباع القلبي للانتفاع بركن الإيمان باليوم الآخر ، فالسورة السابقة سميت بصفة من صفات هذا اليوم فهي القارعة . وهذه السورة سميت كذلك بما يحدث في هذا اليوم من قيام الناس لرب العالمين ، قال تعالى في شأن هذا القيام : أَ لا يَظُنُّ أُولئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ ( 4 ) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ ( 5 ) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ ( 6 ) [ المطففين ] فهي سورة القيامة ، وفيها بيان علاقة النفس بهذا اليوم ومعالجة هذه العلاقة وتحذير الإنسان من عاقبة الإنكار ومن عاقبة التغافل أيضا وبيان حقيقة المصير الذي إليه يصير الإنسان في هذا اليوم . ولصلة هذه القضية بالوحي المنزل وما يخبر به عن حقائق هذا اليوم كان البيان القرآني في السورة ، والذي يطمئن النبي صلّى اللّه عليه وسلم والمؤمنين والبيان لغيرهم - أيضا - في أن هذا الوحي في حفظه وبيانه يعود إلى الله وحده . وتعرض السورة قضية النفس بين العاجلة والآخرة ، وحالة الوجوه المتباينة ، وأصحابها في الآخرة ، وكيف يساق الإنسان إلى مصيره سوقا لا يجدى معه عمل بشرى في رقية أو مداواة ، وكيف يكون حال المكذب المعرض عندما يجد نفسه أمام هذا المصير ، وهل يحسب الإنسان أنه يترك بلا أمر أو نهى بعد أن خلقه الله بهذا الإحكام من نطفة ومرورا بالأطوار الدالة على كمال القدرة . كل هذه القضايا تبسطها السورة أمام الناس في مكة المكرمة ؛ حتى لا يبقى مجال للإنكار ، فالحجة واضحة والبرهان جلى والأدلة مقنعة ومشاهدة ، وما حضر يدل على ما غاب وخفى دلالة قوية ، وحتى
--> ( 1 ) أخرجه ابن الضريس والنحاس وابن مردويه والبيهقي في الدلائل من طرق عن ابن عباس ، انظر : فتح القدير 5 / 334 . ( 2 ) أخرجه ابن مردويه ، انظر : المرجع السابق ، وانظر : الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 19 / 91 .